ابن حزم
430
الاحكام
فراغبون عن الائتساء به عليه السلام ، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم : إني أصوم وأفطر وأنكح النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني وصدق عليه السلام ، أن من ترك شيئا من أفعاله راغبا عنها فهو كافر ، وأما من تركها غير راغب عنها لكن اقتصارا على الفرض ، وتخفيفا من التطوع ، عالما بأنه يترك فضلا كثيرا ، فقد أفلح كما قال عليه السلام للاعرابي الذي حلف لا يزيد على الأوامر الواجبات شيئا فقال عليه السلام : أفلح والله إن صدق دخل الجنة . قال أبو محمد : وفي هذا الحديث بيان كاف في أن الأوامر هي الفروض ، وأن أفعاله عليه السلام ليست فرضا ، لان الأعرابي إنما سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عما أمر به ، لا عما يفعل ، ثم حلف ألا يفعل غير ذلك ، فصوب رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله وحسن فعله ، وهذا كاف لمن عقل ، إذ لم يلزمه عليه السلام اتباع أفعاله ، وهذا ما لا إشكال فيه . قال أبو محمد : بل أنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم على أصحابه رضي الله عنهم التزام المماثلة لأفعاله ، كما حدث عبد الله بن ربيع ، ثنا محمد بن معاوية القرشي ، ثنا أبو خليفة ، نا أبو الوليد الطيالسي - هو هاشم بن عبد الملك - عن حماد بن سلمة ، عن أبي نعامة السعدي ، عن أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قال : صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلما صلى خلع نعليه فوضعهما يساره فخلع القوم نعالهم ، فلما قضى صلاته قال : ما لكم خلعتم نعالكم ؟ قالوا : رأيناك خلعت فخلعنا ، قال : إني لم أضعهما من بأس ، ولكن جبريل أخبرني أن فيهما قذرا وأذى ، فإذا أتى أحدكم المسجد فلينظر في نعليه ، فإن كان فيهما أذى فليمسحه . قال أبو محمد : فهذا عدل من الصحابة - أبو سعيد الخدري - شهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنكر عليهم التزام مماثلة أفعاله ، فبطل كل تعلل بعد هذا وصح ألا يلزم إلا أمره عليه السلام فقط . قال أبو محمد : وإنما تعلق بما ذكرنا قوم من أصحاب مالك ، على أنهم أترك خلق الله لأفعاله عليه السلام ، فقد تركوا فعله عليه السلام في صلاته بالناس وهم وراءه قيام أو جلوس وتركوا فعله عليه السلام في دخوله وإمامته بالناس بعد ابتداء أبي بكر بالتكبير بهم والصلاة ، وجوزوه في الاستخلاف حيث لم يأت به